السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
146
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
الالتفات وراءهم ، امتثالا للأمر قال تعالى « فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا » حان وقته بعذابهم « جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها » إذ أدخل جبريل عليه السلام جناحه تحت قراهم الخمس ، ورفعها حتى بلغ بها عنان السماء ، وهم نائمون لم ينتبه أحد منهم ولم يكفأ لهم إناء وقلبها بهم ، فسمعت امرأته وهي لا حقة بلوط وأهله راكضة خلفهم ( هوة العذاب ) الهوة صوت انهدام الجدار هنا صوت انقلاب القرى ، فالتفتت ورافعا فهلكت ، وهذه الحكمة من منعهم من الالتفات إلى الوراء ، إذ قدر اللّه إهلاك من يلتفت منهم وراءه ، قال تعالى « وَأَمْطَرْنا عَلَيْها » أي القرى الممقوتة « حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ » حتى لا يبقى منهم أحد ممن كان خارجا عن القرى وآتيا إليها ، فمن شذ عنها فلم يهلك بالخسف هلك بالحجارة مثل امرأة لوط المار ذكرها ، ومعنى سجيل الطين لقوله تعالى في الآية 33 من الذاريات ( حِجارَةً مِنْ طِينٍ ) والقرآن يفسر بعضه وفي الفارسية أصلها سنك ، راجع الآية 82 من الشعراء المارة في ج 1 ، وهذه كالسندس والإستبرق وغيرها . فإنها كلمات عربية استعملها الغير ، لأن العرب نطقت بها قبل القرآن « مَنْضُودٍ 82 » متتابع نعت لسجيل مأخوذ من النضد وهو وضع الشيء بعضه على بعض فعلا ، أو كون بعضه فوق بعض خلقة ، مثله في قوله تعالى ( وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ) الآية 29 في الواقعة المارة في ج 1 « مُسَوَّمَةً » نعت ثان أي معلمة بعلامة العذاب لا تشبه حجارة الدنيا ، قالوا كان مكتوبا على كل واحدة منها اسم من تهلكه ، ولا عجب لأنها « عِنْدَ رَبِّكَ » القادر على كل شيء وهي من جملة ما في خزائنه التي لا يطلع على ما فيها ولا يملكها غيره ، أو أنها ساقطة من لدنه من مكان لا يعلمه غيره ، وضمير الخطاب هذا يعود إلى سيد المخاطبين على طريق الالتفات وتقدمت القصة مفصلة في الآية 84 من الأعراف المارة في ج 1 ، ولهذا قال تعالى « وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ 83 » أي من قومك يا محمد المتغالين في الظلم ، بل هي قريبة منهم إذا أصروا على ظلمهم ولا شك أنا نوقع بهم ما أوقعناه بغيرهم من العذاب ، وفي الآية تهديد لكل ظالم لأن الذي أهلك اللّه به شذاذ قوم لوط من الحجارة لا يبعد أن يرمي العرب أهل الظلم كافة ، قال تعالى « وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً » تقدم نسبه بالأعراف